فخر الدين الرازي
555
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الثاني : بم انتصب الظرف ؟ نقول : قال الزجاج : بقوله : لَتُبْعَثُنَّ وفي « الكشاف » : بقوله : لَتُنَبَّؤُنَّ أو بخبير لما فيه من معنى الوعيد . كأنه قيل : واللَّه معاقبكم يوم يجمعكم أو بإضمار اذكر . الثالث : قال تعالى في الإيمان : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ بلفظ المستقبل ، وفي الكفر وقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بلفظ الماضي ، فنقول : تقدير الكلام : ومن يؤمن باللَّه من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا يدخله جنات ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار . الرابع : قال تعالى : وَمَنْ يُؤْمِنْ بلفظ الواحد و خالِدِينَ فِيها بلفظ الجمع ، نقول : ذلك بحسب اللفظ ، وهذا بحسب المعنى . الخامس : ما الحكمة في قوله : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ بعد قوله : خالِدِينَ فِيها وذلك بئس المصير فنقول : ذلك وإن كان في معناه فلا يدل عليه بطريق التصريح فالتصريح مما يؤكده ثم قال تعالى : [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 11 إلى 13 ] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 11 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 12 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 13 ) قوله تعالى : إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بأمر اللَّه قاله الحسن ، وقيل : بتقدير اللَّه وقضائه ، وقيل : بإرادة / اللَّه تعالى ومشيئته ، وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : بعلمه وقضائه وقوله تعالى : يَهْدِ قَلْبَهُ أي عند المصيبة أو عند الموت . أو المرض أو الفقر أو القحط ، ونحو ذلك فيعلم أنها من اللَّه تعالى فيسلم لقضاء اللَّه تعالى ويسترجع ، فذلك قوله : يَهْدِ قَلْبَهُ أي للتسليم لأمر اللَّه ، ونظيره قوله : الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ إلى قوله : أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [ البقرة : 156 ، 157 ] ، قال أهل المعاني : يهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء ، وهو معنى قول ابن عباس رضي اللَّه عنهما يهد قلبه إلى ما يحب ويرضى وقرئ نهد قلبه بالنون وعن عكرمة يهد قلبه بفتح الدال وضم الياء ، وقرئ يهدأ قال الزجاج : هدأ قلبه يهدأ إذا سكن ، والقلب بالرفع والنصب ووجه النصب أن يكون مثل سَفِهَ نَفْسَهُ [ البقرة : 130 ] . وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يحتمل أن يكون إشارة إلى اطمئنان القلب عند المصيبة ، وقيل : عليم بتصديق من صدق رسوله فمن صدقه فقد هدى قلبه : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما جاء به من عند اللَّه يعني هونوا المصائب والنوازل واتبعوا الأوامر الصادرة من اللَّه تعالى ومن الرسول فيما دعاكم إليه . وقوله : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ « 1 » الظاهر والبيان البائن ، وقوله : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يحتمل أن يكون هذا من جملة ما تقدم من الأوصاف الحميدة لحضرة اللَّه تعالى من قوله : لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ التغابن : 1 ] فإن من كان موصوفا بهذه الصفات ونحوها : فهو الذي لا إله إلا هو أي لا معبود إلا هو ولا مقصود إلا هو عليه التوكل في كل
--> ( 1 ) في تفسير الرازي المطبوع فما على الرسول إلا البلاغ وهو خطأ حسب الآية ( 12 ) السابقة .